مجمع البحوث الاسلامية
465
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
للكتاب في ما تتضمّنه من المعنى . ( 3 : 15 ) مغنيّة : تنقسم آيات القرآن بالنّظر إلى الوضوح والخفاء إلى نوعين : محكم ومتشابه : والمحكم : هو الّذي لا يحتاج إلى تفسير ، ويدلّ على المعنى المقصود منه دلالة واضحة قطعيّة ، لا تحتمل تأويلا ولا تخصّصا ولا نسخا ، ولا تترك مجالا للّذين في قلوبهم مرض أن يضلّلوا ويفتنوا بالتّأويل والتّحريف . ومن أمثلة المحكم قوله تعالى : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ الإخلاص : 1 ، وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ النّور : 35 ، لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ النّساء : 40 ، إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ الأعراف : 28 ، أَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها الحجّ : 7 ، وما إلى ذلك ممّا يستوي في فهمه العالم والجاهل . والمتشابه : ضدّ المحكم ، وهو على أنواع : منها : ما يعرف معناه على سبيل الإجمال دون التّفصيل ، مثل قوله تعالى : فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا الأنبياء : 91 ، فإنّ منتهى معرفتنا بالرّوح أنّها سرّ إلهيّ يحدث للإنسان بسببه الإدراك والشّعور ، أمّا معرفة هذا السّرّ بكنهه وحقيقته فهو من أمر ربّي ، لا يعرفه حتّى العلماء ، وليس الشّرط لصحّة الخطاب بالشّيء أن يعرفه المخاطب بالتّفصيل ، بل تكفي المعرفة الإجماليّة . ومنها : أن يدلّ اللّفظ على شيء يأباه العقل ، مثل ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ، فلفظ العرش يدلّ على السّرير ، والعقل يرفض هذه الدّلالة ، لأنّ اللّه سبحانه فوق الزّمان والمكان ، فيتعيّن التّأويل ، وهو من اختصاص أهل العلم ، إذ لا بدّ للتّأويل من دليل صحيح يصرف اللّفظ إلى معنى صحيح ، ولا يعرف هذين إلّا أهل الاختصاص . ومنها : أن يتردّد اللّفظ بين معنيين أو أكثر ، مثل قوله تعالى : وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ البقرة : 228 ، حيث يطلق القرء على الطّهر والحيض معا . ومنها : أن يكون اللّفظ عامّا يشمل بظاهره جميع المكلّفين ، ولكنّ المراد منه بعض أفراده ، لا جميعها ، مثل قوله تعالى : وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما المائدة : 38 ، مع العلم بأنّ السّارق لا يقطع ، إذا كان أبا لصاحب المال ، ولا في سنة المجاعة ، ولا إذا كان المسروق في غير حرز ، أو كان دون ربع دينار . ومنها : الحكم المنسوخ ، كالصّلاة إلى بيت المقدس ، حيث دلّ الدّليل على ثبوت هذه القبلة ، واستمرار حكمها في بدء الدّعوة ، ثمّ جاء دليل النّاسخ ، وحوّلها إلى الكعبة . وليس من شرط المتشابه أن لا ترجى معرفته إطلاقا ، حتّى للعلماء ، وبشتّى أنواعه ، كلّا ، فإنّ جميع أنواع المتشابه ما عدا النّوع الأوّل يمكن لعلماء الأصول ، العارفين بطريق التّأويل ، وأحكام الخاصّ والعامّ ، والنّاسخ والمنسوخ ، والتّرجيح بين المتعارضين أن يستخرجوا الخاصّ من العامّ ، ويميّزوا بين النّاسخ والمنسوخ ، والرّاجح والمرجوح ، والمعنى المعقول الّذي أوّلت به الدّلالة اللّفظيّة بعد أن رفضها العقل .